الشيخ محمد رشيد رضا

455

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

بهذه الآية ، فاتفق أن وصل إلى بغداد فنزل بالمدرسة المستنصرية ، ودعا بمصحف كان مكتوبا بأحسن خط وأشهره من خطوط الكتاب الماضين . وكان يعلم أن أهل هذا العصر لا يقدرون على كتابة مثله ، ثم قال : أين هذه الآية ؟ - يعني قوله « غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا » فأروه إياها فمحاها . فلم يمض الا أسبوع الا وقد سخط السلطان عليه وبعث في طلبه وأمر بغل يديه ، فغلوه وحملوه اليه فأمر بقتله . اه والمراد ان السلطان غضب عليه بسبب من أسباب شقاوته التي عرف بها لا بسبب اعتدائه وتشويهه للمصحف ، لأن السلطان لم يعلم بذلك ، ولأجل هذا عد المصنف الايقاع به من معجزات القرآن . وإنما عجبنا نحن في هذه الحكاية من تساهل المسلمين في عهد الحكومة العباسية كيف وصل إلى هذا الحد ، رجل من أشقياء اليهود أهل النفوذ يجيء بغداد فينزل في مدرسة من أشهر المدارس الاسلامية ويكون له من حرية التصرف فيها والعبث بكتبها ما يمكنه من تشويه مصحف أثري كان أحسن المصاحف التي حفظها التاريخ في بغداد ؟ ! ! فليعتبر بهذا التسامح المعتبرون ثم رد عليهم تعالى بقوله بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ أي بل هو صاحب الجود الكامل ، والعطاء الشامل ، عبر عن ذلك ببسط اليدين لان الجواد السخي إذا أراد أن يبالغ في العطاء جهد استطاعته يعطي بكلتا يديه . وصفوه بغاية البخل والامساك ، فأبطل قولهم وأثبت لنفسه غاية الجود وسعة العطاء . ولا غرو فكل ما يتقلب فيه العالم كله من الخير والنعم ، هو سجل من ذلك الجود والكرم ، والنكتة في قوله « كَيْفَ يَشاءُ » بيان أن تقتير الرزق على بعض العباد ، الجاري على وفق الحكمة وسنن اللّه تعالى في الاجتماع ، لا ينافي سعة الجود ، وسريانه في كل الوجود ؛ فان له - سبحانه - الإرادة والمشيئة في تفضيل بعض الناس على بعض في الرزق ، بحسب السنن التي أقام بها نظام الخلق . والعجب من الامام الجليل أبي جعفر ابن جرير الطبري كيف صور استعمال لفظ اليد هنا أحسن تصوير ، ثم خفيت عنه نكتة تثنيته فجعلها حجة المفوضة على أهل التأويل ، ونحن معه في اثبات الصفات ، ننعي على المؤولين النفاة ، ولا يمنعنا ذلك أن نفهم نكتة تثنية اليد ، من استعمال لفظها المفرد ، قال ابن جرير بعد تفسير غل